التقارير

تعديل سعر الصرف .. خطوة نحو الإصلاح أم انهيار للعملة الليبية

بعد أكثر من ست سنوات من الانقسام عقد مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي الأربعاء الماضي اجتماعه الأول للعام 2020، والذي خصص لغرض واحد فقط وهو اتخاذ قرار طال انتظاره وأثار جدلا واسعا حول تأثيراته الإيجابية والسلبية في حل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد من انهيار سعر العملة الليبية، وشح السيولة النقدية في المصارف، وازدهار السوق السوداء والتضخم، والارتفاع المضطرد للأسعار وغياب الثقة بين المواطنين وتعاملهم مع المصارف التجارية.

الاجتماع سبقه ضغط محلي ودولي لعقده هذا العام بعد فشل محاولات سابقة لجمع أعضاء مجلس الإدارة المنقسمين بين فرعي المصرف المركزي في طرابلس والبيضاء، هذه الضغوطات تمخضت مطلع هذا الشهر عن تشكيل لجنة مشتركة من فرعي المركزي لإعداد مقترح لمجلس الإدارة لاتخاذ قرار بتعديل سعر الصرف، وعقدت تلك اللجنة عدة اجتماعات بطرابلس وخرجت بعدد من المقترحات لسعر الصرف تتراوح بين الثلاثة والخمسة دينارات ودراسة الآثار المترتبة على كل سعر.

لأول مرة منذ 17 سنة

وبتاريخ 16 ديسمبر الجاري عقد مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي بكامل أعضائه اجتماعا هو الأول له منذ ست سنوات، خصص فقط لمناقشة المقترحات المقدمة من اللجنة الفنية المشتركة من فرعي المصرف المركزي والمكلفة بدراسة خيارات تعديل سعر صرف الدينار الليبي للمرة الأولى منذ العام 2003.

وبعد الاجتماع المنتظر أقر مجلس إدارة المصرف المركزي بالإجماع مقترح تعديل سعر الصرف إلى ( 4.48 دنانير) للدولار وسريان هذا السعر على كافة الأغراض الحكومية والتجارية والشخصية على أن يبدأ العمل بهذا القرار اعتبارا من الثالث من يناير 2021.

وأكد المصرف المركزي في بيان أصدره بالخصوص أن هذا الاجتماع سيكون مقدمة لعقد سلسلة من الاجتماعات واتخاذ المزيد من القرارات الهادفة إلى حلحلة المشاكل والمعوقات التي يعاني منها القطاع المصرفي بالشكل الذي يحقق استدامة السلامة المالية والنقدية وبما يسهم في تخفيف المعاناة عن المواطنين.

ترحيب محلي ودولي بتعديل سعر الصرف

وفور الإعلان عن قرار تعديل سعر الصرف توالت البيانات المرحبة بقرار مجلس إدارة المصرف المركزي باعتباره بداية لإنهاء الانقسام المؤسساتي في الدولة الليبية انطلاقا نحو توحيدها خدمة للصالح العام.

وأبدى رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ارتياحه لالتئام مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي بعد انتظار دام لسنوات، ليستجيب لمطلب كان ملحاً بتوحيد سعر صرف الدينار، حيث يعتبر هذا القرار ركيزة الإصلاحات الاقتصادية التي أعلنها الرئاسي وتم الاتفاق بشأنها واعتمدت في سبتمبر 2018، والذي يستهدف تصحيح ومعالجة التشوهات في الوضعين النقدي والاقتصادي، واتخاذ الاجراءات المطلوبة لمعالجة الآثار المترتبة على تنفيذه.

وأشادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقرار توحيد سعر صرف الدينار الليبي، واعتبرته خطوة مهمة ومطلوبة نحو التخفيف من معاناة الشعب الليبي وعلامة جيدة على أن هذه المؤسسة السيادية والحيوية متجهة نحو الاتحاد، مؤكدة على أن الوقت الآن مناسب لجميع الليبيين لاسيما السياسيين الفاعلين في البلاد لإبداء شجاعة وتصميم وقيادة مماثلة ووضع مصالحهم الشخصية جانباً وأن يتجاوز الجميع خلافاتهم من أجل الشعب الليبي بهدف استعادة سيادة البلاد والشرعية الديمقراطية لمؤسساتها.

ورحبت الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي واتفاقه بالإجماع على سعر صرف جديد وموحّد، وأعربت من خلال سفيرها في ليبيا ريتشارد نورلاند عن أملها في أن تعطي هذه الخطوة زخما لمحادثات منتدى الحوار السياسي الليبي.

وأكد رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا خوسيه ساباديل، أن توحيد سعر الصرف وتعزيز الحصول على النقد وكذلك الاجتماعات الاقتصادية في جنيف تهدف لتوحيد الميزانية والمؤسسات وإيجاد حلول لتحسين حياة المواطنين، مشيرا إلى أن النفاذ إلى عائدات النفط المجمدة ضروري لتحسين الخدمات لجميع الليبيين بما في ذلك خدمات الصحة والكهرباء والماء وغيرها.

كما رحب السفير الألماني لدى ليبيا أوليفر اوفتشا بالتقدم التدريجي في المحادثات الاقتصادية الليبية الداخلية والتوصل إلى اتفاق حول إصلاح سعر الصرف الأجنبي في اجتماع مجلس مصرف ليبيا المركزي، وأعربت سفارة كندا في ليبيا عن دعمها للمصرف المركزي في اتخاذ هذه الخطوة المهمة نحو ليبيا أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً، لما فيه مصلحة الشعب الليبي.

خارطة طريق حكومية

بعد يوم واحد من صدور قرار المصرف المركزي بتعديل سعر الصرف، عقد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج اجتماعاً مع وزير المالية فرج بومطاري ووكيلي وزارتي الاقتصاد والتخطيط، أكد فيه أن الوقت بات مناسباً لوضع خارطة طريق لاستئناف تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي على أرضية صلبة.

حيث يعد توحيد سعر الصرف الذي أقره مجلس إدارة المصرف المركزي من أهم مقومات نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي، وركز الاجتماع على بحث آثار القرار ومراحل خارطة الطريق التي ستتبناها الحكومة للوصول إلى الاستقرار المالي والانتعاش الاقتصادي المنشود مع ضمان حاجات المواطن الأساسية وفي مقدمتها الأمن الغذائي والدوائي.

تباين الآراء حول القرار

وتباينت وجهات النظر لدى المسؤولين والخبراء والمحللين الاقتصاديين وحتى المواطنين، بين من يرى أن هذا القرار هو في صالح المواطن وسيعمل على حل الأزمات الاقتصادية من شح السيولة وارتفاع سعر صرف الدولار، وبين من يراه قرارا كارثيا سيزيد الأمر سوءا ويزيد مشاكل وأزمات المواطن.

الحبري: تعديل سعر الصرف سيحل أزمة السيولة

قال محافظ فرع المصرف المركزي بالبيضاء علي الحبري إن سعر الصرف الجديد مبني على دراسة تناولت كل مظاهر الخلل في الاقتصاد الليبي الذي يعاني من أعراض متعددة أصبح الاستمرار فيها نوع من الانتحار الاقتصادي، مؤكدا بأن السعر الجديد سيكون متاحاً للجميع وسترفع القيود وتحل أزمة السيولة بشكل كبير.

الحبري أضاف بأن السعر الجديد سيكون محل رصد و متابعة من لجنة مختصة وسترفع تقارير دورية لمجلس إدارة المصرف المركزي لإجراء المعالجات اللازمة، كما أن الميزانية العامة للدولة للعام القادم ستشهد توازنا وسيتم صرف علاوة العائلة كداعم للأسر الليبية.

اجتماع المركزي خطوة لتوحيد باقي المؤسسات

ويرى عمران الشائبي عضو اللجنة المشتركة المنبثقة عن مصرف ليبيا المركزي واللجنة المكلفة بمتابعة وتقييم وتعديل أسعار العملة الحالية والمستقبلية بأن اجتماع مجلس إدارة المصرف المركزي بعد ست سنوات في حد ذاته خطوة في الاتجاه الصحيح وستؤدي إلى توحيد باقي المؤسسات، حيث أنه هناك فرصة لتوحيد وزارة المالية ودفع منحة الطفل والأم المتوقفة منذ سنة 2013, والهدف الأسمى هو توحيد الحكومات والانتقال إلى دولة واحدة موحدة.

الشائبي أكد أن قرار تغيير سعر الصرف سيكون له آثار إيجابية منها انخفاض سعر الصرف في السوق الموازي وتوفر السيولة في جميع المصارف وانتهاء قصة الفرق بين الصك والكاش، ورفع القيود وإتاحة شراء النقد الأجنبي للجميع سواء كانت شركات أو أشخاص أو عن طريق حوالات للطلبة وعلاج واعتمادات…الخ

ددش: يجب أن لا يستمر السعر الجديد أكثر من ستة أشهر

وقال المحلل الاقتصادي فوزي ددش بأن تحديد واعتماد المصرف المركزي لسعر صرف الدولار على 4.48 دينار في هذا التوقيت يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح وهو سعر مقبول رغم أنه سيؤثر سلبا على المواطن البسيط صاحب الدخل المحدود، وهذا السعر أتى من خلال دراسة مستفيضة بسبب الوضع الاقتصادي الراهن.

وطالب ددش بأن لا يستمر السعر الجديد أكثر من ستة أشهر على أقصى تقدير، بحيث يتم تخفيض السعر تدريجيا وعلى مراحل ليستقر السعر عند حد معين يجعل المواطن البسيط في حالة توازن اقتصادي، وهذا سيساهم في استقرار سعر الصرف في السوق الموازي وسيعمل على توفير السيولة المحتفظ بها خارج القطاع المصرفي.

حسني بي : توحيد سعر الصرف خبر مفرح للشعب الليبي

واعتبر رجل الأعمال الليبي حسني بي بأن إن قرار المصرف المركزي بتوحيد سعر الصرف لجميع الأغراض الحكومية والتجارية والشخصية هو خبر مفرح للشعب الليبي وسيكون من نتائجه توفير السيولة وتقوية القوة الشرائية للدينار وانخفاض أغلب الاسعار بنسبة 30-35%.

 

العيساوي: تعديل سعر الصرف ستكون له آثار مهمة

وقال وزير الاقتصاد والصناعة السابق في حكومة الوفاق الوطني علي العيساوي إن قرار تعديل سعر صرف الدينار الليبي خطوة مهمة طال انتظارها وستكون له آثار مهمة، أهمها استعادة الحكومة إيرادات الرسم على النقد الأجنبي، وما يفرضه من تحديات لإصلاح الإنفاق العام،خصوصاً دعم المحروقات الذي لا يستفيد منه إلا جزء بسيط من المستحقين له.

منير عصر: من حدد سعر الصرف الجديد ارتكب كارثة

وانتقد وزير الاقتصاد في الحكومة الليبية المؤقتة منير عصر قرار مجلس إدارة المصرف المركزي والسعر الجديد للصرف، قائلاً بأن من حدد سعر الصرف الجديد ارتكب كارثة بحق الاقتصاد الليبي وكان الأجدر أن يكون الإصلاح الاقتصادي من خلال الدولار الجمركي، وأن لا يتم إنهاك الدينار الليبي وإضعافه، والسقوط نحو التضخم وهلاك أصحاب الدخل المحدود.

المطلوب الآن إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة

وأوضح الخبير الاقتصادي الليبي أبوبكر أبو القاسم بأن تعديل سعر الصرف يعتبر خطوة مهمة، لكنها يجب أن ترتبط بإجراء إصلاحات اقتصادية شاملة خاصة فيما يتعلق بالسياسات النقدية والمالية والتجارية.

وقال بأن المطلوب الآن هو إجراء إصلاحات اقتصادية أشمل وإيجاد تكامل في السياسات النقدية والمالية والتجارية لكي يذهب قطار الإصلاحات في الطريق السليم والمحدد، خاصة عندما تكتمل تلك السياسات بين وزارة المالية والاقتصاد والمصرف المركزي.

أبوالقاسم أكد بأن الوصول إلى سعر موحد وإن كان مرتفعًا قليلا لكنها تعتبر البداية فقط، متوقعا بأن ينخفض الرقم خلال العام القادم بحسب ما يطرأ على الوضع الاقتصادي.

السعر الجديد يزيد مخاوف المواطنين

يتخوف العديد من المواطنين من زيادة السعر الرسمي للدولار في المصرف المركزي من 1.40 إلى 4.48 دينار، حيث يرى البعض أن هذا سيضر بالمواطن البسيط وسيسبب في ارتفاع الأسعار المتضخمة أصلا ويزيد من معاناة ذوي الدخل المحدود، وطالب البعض عبر صفحات التواصل الاجتماعي بالتظاهر ضد هذا القرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى